أحمد زكي صفوت

412

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

312 - خطبة علىّ في تخويف أهل النهروان فلما نزلوا بالنّهروان ، وأتوا بها ما أتوا من الأحداث « 1 » ، أتاهم الإمام علىّ كرّم اللّه وجهه ، فوقف عليهم فقال : « أيتها العصابة التي أخرجها عداوة المراء واللّجاجة ، وصدّها عن الحق الهوى ، وطمح بها النّزق « 2 » وأصبحت في اللّبس والخطب العظيم ، إني نذير لكم أن تصبحوا تلفيكم الأمة غدا صرعى بأثناء « 3 » هذا النهر ، وبأهضام « 4 » هذا الغائط « 5 » ، على غير بينة من ربكم ، ولا سلطان مبين معكم ، وقد طوّحت بكم الدار ، واحتبلكم « 6 » المقدار . ألم تعلموا أنى نهيتكم عن الحكومة ، وأخبرتكم أن طلب القوم إياها منكم دهن « 7 » ومكيدة لكم ؟ ونبّأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، وأنى أعرف بهم منكم ؟

--> ( 1 ) من ذلك أنهم لقوا عبد اللّه بن خباب بن الأرت صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومعه امرأته وهي حبلى متم ( أي دنا ولادها ) فقالوا : ما تقول في أبى بكر وعمر ؟ فأثنى عليهما خيرا ، قالوا : ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها ؟ قال : إنه كان محقا في أولها وفي آخرها ، قالوا : فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده ؟ قال : إنه أعلم باللّه منكم وأشد توقيا على دينه وأنفذ بصيرة ، فقالوا : إنك تتبع الهوى ، وتوالى الرجال على أسمائها لا على أفعالها ، ثم تربوه إلى شاطئ النهر فذبحوه ، وسال دمه في الماء ، وبقروا بطن امرأته ، وقتلوا ثلاث نسوة من طيئ ، وقتلوا أم سنان الصيداوية ، وأصابوا مسلما ونصرانيا ، فقتلوا المسلم وأوصوا بالنصراني خيرا ، وقالوا : احفظوا ذمة نبيكم ، وأرسل إليهم على رسولا ينظر فيما بلغه عنهم فقتلوه ، فبعث إليهم أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم ، ثم أنا تارككم وكاف عنكم حتى ألقى أهل الشأم ، فلعل اللّه يقلب قلوبكم ويردكم إلى خير ما أنتم عليه من أمركم ، فبعثوا إليه ، فقالوا كلنا قتلهم ، وكلنا نستحل دماءهم ودماءكم . ( 2 ) الطيش . ( 3 ) جمع ثنى بالكسر : أي منعطفاته . ( 4 ) جمع هضم ( بالفتح ويكسر ) وهو المطمئن من الأرض . ( 5 ) الغائط : المطمئن الواسع من الأرض . ( 6 ) أوقعكم في الحبالة . ( 7 ) دهن الرجل : إذا نافق .